نصر حامد أبو زيد
144
الاتجاه العقلي في التفسير
أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ إلى ثلاث آيات والتي في « بني إسرائيل » : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ إلى آخر الآيات » 9 ومعنى ذلك أن المحكم عند ابن عباس هو الآيات التي يؤمن بها ويعمل بها ، وهي آيات الأحكام التي تحدد الحلال والحرام ، أو بمعنى آخر هي آيات التشريع العملي . أمّا المتشابهات فهي تلك الآيات التي يؤمن بها ولا يعمل بها ، أو هي التي لا تتصل بالتشريع ، سواء أكانت منسوخة عن حكمها وبقيت في رسم المصحف للتلاوة فقط ، أو كانت من غير آيات الأحكام أصلا . ويدخل ابن عباس في المتشابهات المقدم والمؤخر ، والأمثال والقسم وكلها ظواهر أسلوبية ستدخل في المجاز عند أبي عبيدة وعند الفراء وعند الجاحظ وابن قتيبة . وسيصبح المجاز كله وسيلة للتأويل عند القاضي عبد الجبار كما سنرى بعد ذلك . وإذا كان ابن عباس قد فرّق هذه التفرقة بين المحكم والمتشابه فمن الطبيعي أن يقول عن نفسه بعد ذلك « أنا ممن يعلم تأويله » 10 . وفي هذا الإطار يمكن أن نفهم ما قاله عن الخوارج حين سئل عنهم « وما يلفون عند القرآن فقال : يؤمنون بمحكمه ويهلكون عند متشابهه » بمعنى أنهم يقيمون أحكامه وحدوده وفرائضه ، ولكنهم لا يعرفون منسوخه ولا تأويله . ويختلف مجاهد - تلميذ ابن عباس وراوي تفسيره 11 - عن أستاذه في تعريف المتشابه ، وإن اتفق معه في تعريف المحكم ، فالمحكم عنده - كما هو عند ابن عباس - « ما فيه من الحلال والحرام ، وما سوى ذلك فهو « متشابه » يصدق بعضه بعضا ، وهو مثل قوله وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ومثل قوله : كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ، ومثل قوله : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ » 12 . وتحتاج هذه الآيات التي استشهد بها مجاهد وقفة حتى نستطيع أن نفهم دلالة هذا الاستشهاد . واللافت للنظر أن هذه الآيات الثلاث جميعا يعدّها المعتزلة من المتشابه وقد تعرّض لها القاضي عبد الجبار في كتابيه « متشابه القرآن » 13 و « تنزيه القرآن عن المطاعن » 14 . وهذه الآيات يوهم ظاهرها أن اللّه هو الذي يضلّ الفاسقين ويجعل الرجس ويهدي المهتدي . ومعنى ذلك أن تعريف مجاهد للمتشابهات - بهذا الاستشهاد - يدخلنا إلى جو التأويل الاعتزالي للمتشابهات . وليس الأمر غريبا على أي حال فمجاهد ( ت 104 ه ) كان معاصرا للحسن البصري ( ت 110 ه ) صاحب رسالة في القدر أشرنا إليها سالفا . ويستشهد الحسن البصري في هذه الرسالة بآيتين من الآيات الثلاث التي استشهد بها مجاهد وذلك حيث يقول : « وذلك أن اللّه تعالى جعل فيهم من القدرة ما